tarikbary’s Weblog

Just another WordPress.com weblog

لماذا غابت المعايير من حياتنا؟ (why did criteria disappear from our life?)

لماذا غابت المعايير من حياتنا؟
د. طارق عبد الباري

لماذا قفز السؤال الي ذهني مرة واحدة وانا اتحدث مع السيد فون كليتسنج عالم الفيزياء الألماني الحاصل علي جائزة نوبل في الفيزياء عام‏1985:‏ هل نعرف نحن في مصر شيئا عن المعايير في اي شيء مما نمارسه في حياتنا اليومية؟
كان هذا في الركز الثقافي الألماني معهد جوتة والذي استضاف العالم الالماني الكبير  بمناسبة مئوية اينشتاين‏,‏ تحدث السيد فون كليتسنج عن اكتشافه التاريخي لمعامل من المعاملات الثابتة في الكون لايستطيع البشر ان يغيروه ولايتأثر بالمكان او الزمان‏,‏ شأنه في هذا شأن سرعة الضوء؟ قال ان اهميته تكمن في انه اصبح منذ تاريخ هذا الاكتشاف يوجد معيار ثابت يمكن ان تقاس عليه الاجهزة الكهربائية والصناعية وساعد هذا كبري الشركات المنتجة للماكينات والاجهزة الكهربائية الصغيرة والعملاقة في العالم في ان تصدر اجهزتها الي بلاد العالم اجمع خاصة الي الدول الكبري المنافسة صناعيا دون تخوف من ان ترفض هذه الجهة الرقابية او تلك في هذه البلاد هذه الاجهزةلاختلاف قياساتها وادائها عن تلك المنصوص عليها بلوائحها‏,‏ وهذه المشكلة تنجم في المعتاد عن اختلاف وحدات ومعايير القياس التي تستخدمها تلك الدول عن بعضها البعض اثبتت التجارب العلمية مثلا ان الأوم الياباني ينتج نتائج قياس غير الاوم الألماني والألماني غير الايطالي وهكذا‏,‏ حيث يؤثر الزمان والمكان وطبيعة الخامة ونوع المقاومة وغير ذلك كثيرا علي نتيجة القياس اي اننا نتحدث هنا عن المعايير القياسية التي تعطي النتائج في اي مكان علي الارض‏,‏ والسؤال الذي خطر ببالي‏:‏ هل دخلنا في مصر عصر ثقافة المعايير القياسية؟ ولا اريد ان اقصر الحديث علي الاجهزة والعلم‏,‏ فنحن‏,‏ من بعد الفراعنة العظماء‏,‏ ليس لدينا شيء تقريبا من ذلك نصنعه بأنفسنا‏,‏ ولكن اريد ان اوسعه ليشمل حياتنا اليومية واسلوب تفكيرنا كيف تستطيع ان تجيب علي السؤال وانت مستريح الضمير‏,‏ انا اقول لك‏:‏ ادخل اي فيشة كهرباء قفيش في اي بريزة علبة القفايش في اي مكان من ارض مصر المحروسة وانظر ماذا يحدث‏,‏ مرة ينطلق شرار كأنه النار ومرة اخري يحدث انفجار وثالثة يتدلي القفيش من البريزة في استرخاء لان فتحة البريزة اوسع من قطر اعمدة القفيش ومرة رابعة لايدخل القفيش في البريزة لان اعمدته اكبر من فتحات البريزة‏,‏ وهكذا‏.‏ هذا يعني ان الجهة التي انتجت او سمحت باستيراد هذه الاجهزة البسيطة لم يكن لديها في الحقيقة اي معايير قياسية ثابتة تنطلق منها مما اسفر عنه ان صار كل منتج يختلف في مقاييسه عن الآخر‏,‏ وعدم دخولنا عصر ثقافة المعايير القياسية اسفر عنه تكون فكر متخلف يسمح ويجيز مثل هذه المنتجات الرديئة وغيرها من الاجهزة وقطع غيار السيارات والماكينات إلخ‏..‏ اما عن نتائج المعامل الطبية والاشعة فحدث ولاحرج‏,‏ فإذا ماانتقلنا الي ماأسميه بثقافة عصر المعايير القياسية وقسنا عليها سلوكياتنا في الحياة اليومية ومدارسنا وجامعاتنا في مجالات التعليم والتدريب المهني والتطبيقي فإننا سنجد انفسنا امام شيء اشبه بالمهزلة‏,‏ لن اتحدث عن تفاصيلها ولكنني سأتحدث عن نتائجها التي تتمثل في اختصار شديد في ان احدا من الفئات الحرفية والمهنية
كالفنيين‏(‏ من الكهربائية والميكانيكية والصناع والنجارين وعمال طائفة المعمار وغيرهم‏)‏ والمهنيين الأرقي كالأطباء والمهندسين وغيرهم‏,‏ كلهم جميعا‏,‏ قلما تجد واحدا منهم يتم لك عملا تطلبه منه علي النحو الذي يرضيك أو تطمئن اليه‏,‏ وذلك لأن المواصفات القياسية للتعليم قد سقطت من عندنا وصار كل أستاذ جامعي أو مدرسي يدرس مايحلو له تقريبا بالشكل الذي يحلو له وهذا أكيد ولا أريد أن أذكرك هنا بأن اشكال الطرق والأرصفة العجيبة ذات الارتفاعات المتفردة في الدنيا بأكملها واشكال وأوضاع وأحجام البالوعات وإنماط العمارات والمباني الشائهة في كل مكان‏..‏ كلها جميعا لا تقوم علي نمط وليس لها اي مواصفات فنية قياسية‏,‏ إنما هي خلق شائه وقبيح تفتقت عنه قريحة العشوائية الاجتماعية والفكرية التي نعيش فيها هل عرفت الآن لماذا كلما سألت شخصا‏(‏ من المهني البسيط للأستاذ الدكتور‏)‏ عن رأيه في عمل زميل له من نفس المهنة قال لك عنه أنه خاطئ وحذرك من نتائجه‏,‏ لأنه ببساطة لايوجد معيار لا لتقييم الأشياء ولا للحكم عليها‏,‏ وهل فهمت الآن لماذا أصبحت اغلب شهاداتنا الجامعية ودرجاتنا التعليمية من الليسانس حتي الدكتوراه لا تقبل في أغلب جامعات العالم؟ لأن تعليمنا‏(‏ في أي مرحلة من مراحله لايقوم علي معايير قياسية دولية معتمدة‏,‏ ولكنها اجتهادات تعليمية محلية تتم تحت ظروف عشوائية هي أبعد ما تكون عن ظروف التعليم الحقيقي والكل يعرف هذا بالطبع‏.‏
وهل عرفت الان لماذا تنتشر المدارس والجامعات الأجنبية في بلادنا بسخاء شديد دون اي مقاومة أو منافسة تذكر من مدارسنا وجامعاتنا الحكومية التي صارت تخفي رأسها الصغير بين كتفيها استحياء كدجاجة مبتلة؟ ولاتنس من فضلك أن ذوبان أبنائنا في التعليم الأجنبي يعني ذوبان هويتنا وذوبان هويتنا يعني تلاشيا تدريجيا لمعايير ثقافتنا إنها إذن المعايير مرة أخري في المبتدأ و المنتهي كما تري‏.‏
هل عرفت الآن لماذا يموت الناس في شوارع القاهرة ضحية الفوضي ونظام مروري فاشل وليس له معيار‏..‏ بلا عزاء؟ ولماذا فقدت وتفقد مصر كل يوم علماء ومفكرين أفذاذا أنفقت عليهم الملايين حتي صار وزنهم من وزن الأمة وصار وزن الأمة من وزنهم ثم ماتوا بلا ثمن بدءا من جمال حمدان الذي مات في بيته إثر انفجار انبوبة البوتاجاز‏(‏ التي لم تصنع تحت معايير صناعية قياسية تمنع حدوث هذا الانفجار‏)‏ وانتهاء بفؤاد ثاقب الذي سقط في بئر المصعد من الطابق الخامس عشر‏(‏ لأن المصاعد لاتتم صيانتها علي معايير قياسية‏,‏ ولكن بالفهلوة وغيرهما الاف سبقوا وآلاف قادمون مادام الاهمال وغياب المعيار القياسي في التعليم والأنتاج والعمل هو السائد في مجتمعنا المنتحر منذ أعوام فقدت وكالة الفضاء الأمريكية المعروفة باسم ناسا قمراصناعيا من أقمارها كانت تريد إرساله للمريخ‏,‏ فقدته لأنه احترق وتلاشي في الفضاء بعد أن ضل مساره لسبب مخجل وهو أن الجهات الرقابية التي كانت تراقب وتوجه القمرالصناعي كانت تستخدم وحدات قياس مختلفة فاضطربت بياناتها فضاع القمر في الكون الي غير رجعه وقامت الدنيا في أمريكا بسبب هذا ولم تقعد‏.‏ ونحن ما أكثر الأسباب المخجلة لدينا والتي تنهار عليها المباني وتحترق المصانع وتنفجر أنابيب المياه وأسطوانات الغاز ويسقط الناس من المصاعد في هوة عميقة وفي البالوعات بغير رجعة أو يموتون صعقا علي أعمدة الكهرباء أو تحت عجلات السيارات والقطارات أو علي أخطاء الاطباء واختلال القياسات الطبية وغير الطبية والاهمال الذي لايتوقف فهل ننتظر يوما نضيع فيه نحن الآخرين في التاريخ ونتلاشي بين سطوره كما تلاشي قمر ناسا في الفضاء محترقا والدنيا عندنا قاعدة لاتقوم ولايهتز لها ردف‏.‏
   

Eine Antwort schreiben

XHTML: Du kannst diese Tags benutzen: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <pre> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>