الثقافة والجنون (Culture and Madness)
الثقافة والجنون
لاشك أن ثقافة حياتنا اليومية قد أصابها الإعواجاج والانبعاج والتفلطح فأفرزت أشكالاً وأنماطاً سلوكية وطرائق تفكير غريبة وشاذة وقبيحة. وكلمة „ثقافة الحياة اليومية“ تعني من الدرجة الأولى الأسلوب الذي يتصرف به الناس في حياتهم اليومية معاً والطريقة التي يتعاملون بها مع المواقف في الشارع والبيت ومع الأسرة والأصدقاء. ليس المقصود بكلمة ثقافة هنا على الإطلاق، كما يتصور كثير من الناس، كم المعلومات التي يحتفظ بها المرء في رأسه ويجترها كالببغاء عندما يسأله أحد عن شىء من هذه المعلومات. ولكننا نقول عن الشخص أنه مثقف عندما نراه يتصرف بالشكل وعلى النحو الذي يمليه عليه علمه ومعلوماته، أى لو أنك رأيت طبيباً مثلاً يدخن السجائر بشراهة فأنت أمام طبيب غير مثقف حتى ولو كان أمهر أطباء عصره في تخصصه، هو عالم، ولا يمكن أن نصفه بقولنا مثقفاً إلا إذا رأيناه يجسد في سلوكه اليومي العام حزمة أفكاره ومبادئه المستوحاة من علمه وتنشئته العلمية. والفلاح الأمى الذي يستطيع بموروثه العلمي والمعرفي البسيط أن يحافظ على البيئة ويعمل على زيادة ثروته النباتية والحيوانية في هذا الإطار هوشخص مثقف.من هنا نبدأ وندركأهمية ثقافة الحياة اليومية فلو أن الفلاح مثلاً كان مثقفاً ثقافة حقيقية لامتنع عن استخدام المبيدات المسرطنة وهو يرى أثرها بعينه متمثلاً في إتلاف المحاصيل وحرق الأرض وتفريغ التربة من ثروتها المعدنية فضلاً عن المرض والموت الذي تسببه للبشرولغير البشر. يعني بعبارة أخرى لو أن كلاً منا كان مثقفاً في شئون الحياة اليومية ثقافة صحيحة يعرف ما له وما عليه لاختلف وجه الحياة في مصر. سأعطيك مثالاً: لو أننا مثلاً كانت لدينا ثقافة مرورية لأدركنا أن ركوب مايكروباص من هذه المايكروباصات التي تطيح كالثيران الهائجة في الشوارع لون من ألوان المخالفة للدين والضمير والقانون، لأن الدين ينهانا عن أن نلقي بأنفسنا في التهلكة ، كما أن الضمير يمنع المرء من أن يعرض حياته وجسده للخطر المحقق والقانون يرى ركناً هاماً من أركان الجريمة يتمثل في أن الضحية في حد ذاته مذنب بأن وضع نفسه في موضع أن يكون ضحية. أى أن سائق الميكروباص مخطىء ومجنون عندما يهمل قواعد المرور التي لا يعرفها والتي لا وجود لها ولا لمن يرعاها على شوارعنا ولكن ما حكم الذي يسلم روحه لمجنون؟ أليس مذنباً هو الآخر؟سأستكمل: لو أن لدينا ثقافة التغيير الإيجابية السلمية والوعى الكافي بحقوقنا لنزلنا من فورنا من الميكروباصات القاتلة جماعة وتركناها تسير فارغة. ولو أنك مثلاً دخلت مكاناً واتضح لك من الوهلة الأولى أن احتياطات الأمان فيه غير كافية (أى يلزم أن تكون مثقفاً من الناحية الأمنية) لتعرفت على هذا وتركت هذا المكان من فورك ولما أصابك سوء بإذن الله.الحادث المؤلم الذي وقع في بني سويف مثلاً أكبر دليل على „قصور“ ثقافة الحياة اليومية عند الجميع بدءاً من المسئولين بالحكومة وانتهاءاً بكل من كانوا بالقاعة، ولكن الضحايا رحمهم الله رحمة واسعة وأثابهم الجنة والفضل العظيم على مالاقوه من أهوال مؤلمة هم في الحقيقة ضحايا أشياء كثيرة قبل أن يكونوا ضحايا الحريق الأخير. هم ضحايا سلطان العادة التي رسخت الإهمال كشكل أوحد يصم الحياة اليومية في مصر كبقعة قذرة في كل شىء وفي كل منحنى من مناحى الحياة حتى اعتاد المرء على أنابيب الغاز التي تنتشر في كل مكان بدون صمامات أمان وعلى عامل أو زائر محطة البنزين الذي يدخن داخل المحطة أو على أطرافها وعلى صانعي المأكولات ذوي أنابيب الغاز في القطارات والأماكن الضيقة (كالمسرح الذي شهد تلك المأساة ومن قبله قطار الصعيد الذي تفحم من بداخلة لنفس السبب) وعلى الأشخاص الذين يضعون أطفالهم في حقيبة السيارة تتدلى أرجلهم منها وهم يسيرون بسرعة مجنونة بل ويناورون السيارات الأخرى وفلذات أكبادهم يفصلهم بين الموت والحياة شعرة ماريين أمام كل النقاط المرورية وضباط الشرطة والناس كافة دون أن يستنفر هذا المشهد الشاذ أحداً من كل أولئك فالجهل وضياع ثقافة الحياة اليومية وغياب التوعية والإرشاد الإعلامي في التليفزيون قد جعل سلطان العادة (عادة أن ترى الجنون ولا تدرك أنه جنون وأن ترى الخطأ ولا تدرك أنه خطأ ولا يلفت نظرك في شىء) أقوى من أى شىء. شىء واحد مما ذكرته أعلاه كفيل بأن يضع مرتكبه السجن في بلاد العالم المتحضر وكفيل بأن يرفض الناس التعامل معه حتى يغير ما به من استهتار ورعونه. ولكن كيف نحاسب الناس على شىء لم يتعلموه أصلاً وأعنى به „الوعى بالثقافة“. وحينما قدم السيد وزير الثقافة استقالته بعد الحادث المؤلم ببني سويف فإنني فهمت أنه قدمها لإحساسه بالتقصير الثقافي لا للتقصير الإداري كما فسرها الكثيرون، وربما الوزير من بينهم.هل توجد لدينا سياسة ثقافية تعنى بثقافة الحياة اليومية؟ هل يوجد لدينا إعلام مرئي يضع هذه القضية على رأس أولويات خارطته (حتى لو أدى الأمر أن تأتي هذه القضية قبل كل فيديوكليبات الرقص المتصل)؟ هل لدينا تعليم يعلم الأطفال منذ نعومة أظافرهم „ثقافة الحياة اليومية“ الإيجابية بأسلوب عملي تطبيقي واضح؟إذا كانت لإجابة في كل ماسبق بالنفي دائماً (وهذه حقيقة حتى لا نخدع أنفسنا أكثر من اللازم) فلماذا نتعجب عندما تتطاير أشلاء البشر المساكين كل يوم فى الشوارع والطرقات؟ ولماذا نفزع عندما يتفحم الناس حرقاً في القطارات والمسارح ؟ ولماذا نندهش ونغضب عندما يطير أتوبيس هيئة نقل عام كل يوم وآخر من فوق كوبري السيدة عائشة وينزل بمن فيه على الخلق أسفل الكوبري فيدكهم دكا؟ ولماذا نتعجب بعد كل هذا من المجانيين الذين يفجرون أنفسهم في أخوانهم وأهليهم وقد صار كل شىء من حولنا جنوناً في ظل غياب شبه تام لدور ثقافي وتعليمي وإعلامي من أجل إنقاذ ثقافة حياتنا اليومية.سأقول لك كلمة وأرجو ألا تنساها: الحياة بلا „ثقافة حياتية يومية“ هى البديل الأوحد للجنون والوجه الأول له. وثمة شىء آخر: إذا نحن لم نثقف أفراد شعبنا فلن يكون أمامنا سوى أن نضع على رأس كل فرد منا ضابط شرطة وعلى كل ضابط شرطة رقيب قانوني وعلى كل ناصية وحدة أمن مدني مجهزة بكل شىء من سيارة إطفاء الحرائق إلى مندوبين من مستشفي الأمراض العقلية. وأعتقد أن هذا لن يكون ممكناً لأنه ببساطة الوجه الآخر للجنون والتخريف في آن واحد. وللحديث بقية!